b-11
10-01-08, 11:18 PM
العام الجديد
في مثل هذا اليوم من كل عام يقف ركب هذا العالم السائر على منزلة من منازل الحياة فينزل عن مطاياه ليستريح فيها ساعة من وعثاء السفر بعد أن نال الاين والكلال وأضناه سرى الليل ومسير النهار خمسة وستين وثلاثمائة يوم.
هنالك يجمع السفر في صعيد واحد فيتعارفون ويتفقد بعضهم بعضا فيجدون أن فلانا مات جوعا وفلانا مات ظمأً وآخر افترسه سبع وآخر قتله لص وآخر طارت به قنبلة وآخر هوت به طيارة وآخر اجتاحه بركان وآخر تردى عليه منجم, ثم يعودون إلى جرائد الإحصاء ليدونوا فيها حاضرهم كما دونوا فيها ماضيهم , ثم يوازون بين هذا وذاك فيجدون أن الحاضر شر من الماضي وان ميادين الحروب لاتزال ملوثة بالدماء ومصانع الموت لاتزال تفتن في عدده وتستكثر من أدواته وان أغراس الشر لا تزال عالقة بنفوس البشر حتى ما يكاد احد يتمنى أن تقع عينه على احد وان سحائب البغضاء لاتزال ناشرة أجنحتها السوداء على المجتمع الإنساني من أدناه إلى أقصاه شعوبا وقبائل وأجناسا وأنواعا ومذاهب واديانا ومنازل وأوطانا فيبغض الرجل صاحبه لأنه يخالفه في جنسه فان عرف انه يوافقه ابغضه لأنه يخالفه في دينه فان وافقه في هذه ابغضه لأنه ينطق بغير لغته فان نطق بها ابغضه لأنه لا يشاركه وطنه , فان كان مشاركا له ابغضه لأنه يزاحمه في حرفته أو صناعته فان بعد عن طريقه ابغضه لأنه يخالفه في رأيه فان كان موافقا له ابغضه لأنه لايحاكيه في لونه فان لم شيئا من هذا ولاذاك ابغضه لأنه شخص سواه , كأن قضاء حتما على الإنسان أن يبغض كل صورة غير الصورة التي يراها كل يوم في مرآته , فإذا فرغوا من النظر في جرائد حسابهم والموازنة بين حاضرهم وماضيهم أضافوا إلى سيئاتهم الماضية سيئة الغش والكذب فتناسوا كل هذا ووضع كل منهم يده في أخيه مهنئا له بالعيد السعيد داعيا له بدوام الرفاهية والسعادة ثم تنادوا للرحيل ليستقبلوا المرحلة الاتيه بعد قطع المرحلة الماضية.
علام يهنئ الناس بعضهم بعضا وماذا لقوا من الدنيا فيحرصوا على البقاء فيها ويغتبطوا بقطع المراحل التي يقطعونها منها ومن منهم يستطيع أن ينطق بلسان يصدقُ الحديثً عما في نفسه فيقول انه أصبح سعيدا كما أمسى أو أمسى سعيدا كما أصبح أو انه رأى بارقا من بوارق السعادة قد لمع يوما من الأيام في سماء حياته ولم ير بجانبه مثل مايرى في الليلة البارقة من نجوم هاوية ورعود قاصفة وصواعق حرقة وغيوم متلبدة .
بأي نعمة من النعم أو حسنة من الحسنات تمن لحياة على رجل يتنقل فيها من ظلمة الرحم إلى ظلمة العيش ومن ظلمة العيش إلى ظلمة القبر كأنما هو يونس-عليه السلام- الذي التقمه الحوت فأصبح في ظلمات بعضها فوق بعض , وأي صنيعة من الصنائع أسدتها الأيام إلى إنسان يظل فيها من مهده إلى لحده حائرا مضطربا يفتش عن ساعة راحة وسلام يبل بها غلته ويثلج بها صدره فلا يعرف لها مذهبا ولا يعرف لها سبيلا , إن كان غنيا اجتمعت حوله القلوب المضطغنة واصطلحت عليه الأيدي الناهبة , فإما قتلته وما أفقرته , وان كان فقيرا عد الناس فقره ذنبا جنته يداه فتتناوله الأكف وتتقاذفه الأرجل وتتجاذبه الألسن حتى يموت الموتة الكبرى , وان كان عالما ولع به الحاسدون واستهتروا في تزييفه والتشهير به وأغروا بنفثاته وآثاره حتى يعطيهم عهده وميثاقه أن يعيش عالما كجاهل وحيا كميت , وان يكتم سر علمه في صدره فلا يفضى به إلى لسان ولاقلم أو يموت دون ذلك , وان كان جاهلا اتخذه العالمون مطية لا يركبونها إلى مقاصدهم وأغراضهم من حيث لا يرحمونها ولا يرفقون بها ولا يقيمون صلبها حتى يعقروها , وان كان بخيلا ازدرته القلوب واقتحمته وتقلصت له الشفاه وبرزت
له الأنياب وانقبضت له الاسره والتهبت له الأنظار وأرسلت إليه الاضغان السنة نيرانها حتى تحرقه , وان كان كريما عاش مترقبا في كل ساعة من ساعات ليله ونهاره شر الذين أحسن إليهم , إما لأنه منحهم أولا ثم منعهم آخرا فهم يحاولون أن ينتقموا منه لأنه أذاقهم لقمة ناعمة ما كانوا يقدّرون لها في أنفسهم حسابا فلما ذاقوها استعذبوها فاستزادوا منها فلم يجدوا مايريدون فتمتلئ صدورهم حقدا على تلك اليد التي هاجت بطنتهم وأشعلت نارها ثم لم تطفئها , أو لأنهم من أصحاب النفوس الشريرة الذين يشعرون كأن المحسن يريد أن يشترى منهم نفسه بما يسدي إليهم من إحسانه فيتناولون منه الإحسان لأنهم طماعون ويطوون القلوب على الحقد عليه والموجدة له لأنهم كانوا يريدون أن يتمكنوا من عرضه ينالون منه كما يشاؤون فحيل بينهم وبين ذلك.
لاسعادة في هذه الحياة إلا إذا نشر السلام أجنحته البيضاء على هذا المجتمع البشري , ولن ينتشر السلام إلا إذا هدأت أطماع النفوس واستقرت فيها ملكة العدل والإنصاف فعرف كل ذي حق حقه وقنع كل بما في يده عما في يد غيره فلا يحسد فقير غنيا ولاجاهل عالما وأُشعرت القلوب رحمةً وحنانا على البؤساء والمنكوبين فلا يهلك جائع بين الطاعمين ولاعار بين الكاسين وامتلأت النفوس عزة وشرفا فلا يبقى شئ من تلك الحبائل المنصوبة لاغتيال أموال الناس باسم الدين أو باسم الوطنية أو باسم الإنسانية أو باسم العلم ولانرى طبيبا يدعى علم مالم يعلم ليسلب المريض روحه وماله ولامحاميا يخدع موكليه عن قضيته ليسلب منه فوق ما يسلب خصمه ولاتاجرا يشتري بعشرة ويبيع بمائة ثم ينكر بعد ذلك انه لص سارق ولا كاتبا يضرب الناس بعضهم ببعض حتى تسيل دماؤهم فيمتصها كما يضرب القادح الزند بالزند ليظفر بالشرر المتطاير منهما , ومادامت هذه المطالب أحلاما كاذبة وأماني باطلة فلا مطمع في سلام ولا أمان ولا أمل في سعادة ولافي هناء , ولا فرق بين أمس الدهر ويومه , ولا بين يومه وغده , ولافرق بين مغفلات أيامه , ومعلمات أعياده , فليهنأ بالعيد من عرف من أيامه غير ماعرفت , وذاق من نعمائه من غير ما ذقت , وليفرح بالعام الجديد من حمد ماضي أيامه , وسالف أعوامه.
في مثل هذا اليوم من كل عام يقف ركب هذا العالم السائر على منزلة من منازل الحياة فينزل عن مطاياه ليستريح فيها ساعة من وعثاء السفر بعد أن نال الاين والكلال وأضناه سرى الليل ومسير النهار خمسة وستين وثلاثمائة يوم.
هنالك يجمع السفر في صعيد واحد فيتعارفون ويتفقد بعضهم بعضا فيجدون أن فلانا مات جوعا وفلانا مات ظمأً وآخر افترسه سبع وآخر قتله لص وآخر طارت به قنبلة وآخر هوت به طيارة وآخر اجتاحه بركان وآخر تردى عليه منجم, ثم يعودون إلى جرائد الإحصاء ليدونوا فيها حاضرهم كما دونوا فيها ماضيهم , ثم يوازون بين هذا وذاك فيجدون أن الحاضر شر من الماضي وان ميادين الحروب لاتزال ملوثة بالدماء ومصانع الموت لاتزال تفتن في عدده وتستكثر من أدواته وان أغراس الشر لا تزال عالقة بنفوس البشر حتى ما يكاد احد يتمنى أن تقع عينه على احد وان سحائب البغضاء لاتزال ناشرة أجنحتها السوداء على المجتمع الإنساني من أدناه إلى أقصاه شعوبا وقبائل وأجناسا وأنواعا ومذاهب واديانا ومنازل وأوطانا فيبغض الرجل صاحبه لأنه يخالفه في جنسه فان عرف انه يوافقه ابغضه لأنه يخالفه في دينه فان وافقه في هذه ابغضه لأنه ينطق بغير لغته فان نطق بها ابغضه لأنه لا يشاركه وطنه , فان كان مشاركا له ابغضه لأنه يزاحمه في حرفته أو صناعته فان بعد عن طريقه ابغضه لأنه يخالفه في رأيه فان كان موافقا له ابغضه لأنه لايحاكيه في لونه فان لم شيئا من هذا ولاذاك ابغضه لأنه شخص سواه , كأن قضاء حتما على الإنسان أن يبغض كل صورة غير الصورة التي يراها كل يوم في مرآته , فإذا فرغوا من النظر في جرائد حسابهم والموازنة بين حاضرهم وماضيهم أضافوا إلى سيئاتهم الماضية سيئة الغش والكذب فتناسوا كل هذا ووضع كل منهم يده في أخيه مهنئا له بالعيد السعيد داعيا له بدوام الرفاهية والسعادة ثم تنادوا للرحيل ليستقبلوا المرحلة الاتيه بعد قطع المرحلة الماضية.
علام يهنئ الناس بعضهم بعضا وماذا لقوا من الدنيا فيحرصوا على البقاء فيها ويغتبطوا بقطع المراحل التي يقطعونها منها ومن منهم يستطيع أن ينطق بلسان يصدقُ الحديثً عما في نفسه فيقول انه أصبح سعيدا كما أمسى أو أمسى سعيدا كما أصبح أو انه رأى بارقا من بوارق السعادة قد لمع يوما من الأيام في سماء حياته ولم ير بجانبه مثل مايرى في الليلة البارقة من نجوم هاوية ورعود قاصفة وصواعق حرقة وغيوم متلبدة .
بأي نعمة من النعم أو حسنة من الحسنات تمن لحياة على رجل يتنقل فيها من ظلمة الرحم إلى ظلمة العيش ومن ظلمة العيش إلى ظلمة القبر كأنما هو يونس-عليه السلام- الذي التقمه الحوت فأصبح في ظلمات بعضها فوق بعض , وأي صنيعة من الصنائع أسدتها الأيام إلى إنسان يظل فيها من مهده إلى لحده حائرا مضطربا يفتش عن ساعة راحة وسلام يبل بها غلته ويثلج بها صدره فلا يعرف لها مذهبا ولا يعرف لها سبيلا , إن كان غنيا اجتمعت حوله القلوب المضطغنة واصطلحت عليه الأيدي الناهبة , فإما قتلته وما أفقرته , وان كان فقيرا عد الناس فقره ذنبا جنته يداه فتتناوله الأكف وتتقاذفه الأرجل وتتجاذبه الألسن حتى يموت الموتة الكبرى , وان كان عالما ولع به الحاسدون واستهتروا في تزييفه والتشهير به وأغروا بنفثاته وآثاره حتى يعطيهم عهده وميثاقه أن يعيش عالما كجاهل وحيا كميت , وان يكتم سر علمه في صدره فلا يفضى به إلى لسان ولاقلم أو يموت دون ذلك , وان كان جاهلا اتخذه العالمون مطية لا يركبونها إلى مقاصدهم وأغراضهم من حيث لا يرحمونها ولا يرفقون بها ولا يقيمون صلبها حتى يعقروها , وان كان بخيلا ازدرته القلوب واقتحمته وتقلصت له الشفاه وبرزت
له الأنياب وانقبضت له الاسره والتهبت له الأنظار وأرسلت إليه الاضغان السنة نيرانها حتى تحرقه , وان كان كريما عاش مترقبا في كل ساعة من ساعات ليله ونهاره شر الذين أحسن إليهم , إما لأنه منحهم أولا ثم منعهم آخرا فهم يحاولون أن ينتقموا منه لأنه أذاقهم لقمة ناعمة ما كانوا يقدّرون لها في أنفسهم حسابا فلما ذاقوها استعذبوها فاستزادوا منها فلم يجدوا مايريدون فتمتلئ صدورهم حقدا على تلك اليد التي هاجت بطنتهم وأشعلت نارها ثم لم تطفئها , أو لأنهم من أصحاب النفوس الشريرة الذين يشعرون كأن المحسن يريد أن يشترى منهم نفسه بما يسدي إليهم من إحسانه فيتناولون منه الإحسان لأنهم طماعون ويطوون القلوب على الحقد عليه والموجدة له لأنهم كانوا يريدون أن يتمكنوا من عرضه ينالون منه كما يشاؤون فحيل بينهم وبين ذلك.
لاسعادة في هذه الحياة إلا إذا نشر السلام أجنحته البيضاء على هذا المجتمع البشري , ولن ينتشر السلام إلا إذا هدأت أطماع النفوس واستقرت فيها ملكة العدل والإنصاف فعرف كل ذي حق حقه وقنع كل بما في يده عما في يد غيره فلا يحسد فقير غنيا ولاجاهل عالما وأُشعرت القلوب رحمةً وحنانا على البؤساء والمنكوبين فلا يهلك جائع بين الطاعمين ولاعار بين الكاسين وامتلأت النفوس عزة وشرفا فلا يبقى شئ من تلك الحبائل المنصوبة لاغتيال أموال الناس باسم الدين أو باسم الوطنية أو باسم الإنسانية أو باسم العلم ولانرى طبيبا يدعى علم مالم يعلم ليسلب المريض روحه وماله ولامحاميا يخدع موكليه عن قضيته ليسلب منه فوق ما يسلب خصمه ولاتاجرا يشتري بعشرة ويبيع بمائة ثم ينكر بعد ذلك انه لص سارق ولا كاتبا يضرب الناس بعضهم ببعض حتى تسيل دماؤهم فيمتصها كما يضرب القادح الزند بالزند ليظفر بالشرر المتطاير منهما , ومادامت هذه المطالب أحلاما كاذبة وأماني باطلة فلا مطمع في سلام ولا أمان ولا أمل في سعادة ولافي هناء , ولا فرق بين أمس الدهر ويومه , ولا بين يومه وغده , ولافرق بين مغفلات أيامه , ومعلمات أعياده , فليهنأ بالعيد من عرف من أيامه غير ماعرفت , وذاق من نعمائه من غير ما ذقت , وليفرح بالعام الجديد من حمد ماضي أيامه , وسالف أعوامه.